ابن هشام الأنصاري

293

شرح قطر الندى وبل الصدى

« [ 119 ] » - وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجّم أي : وما الحديث عنها بالحديث المرجّم ، قالوا : فعنها متعلق بالضمير ، وهذا البيت نادر قابل للتأويل ، فلا تبنى عليه قاعدة .

--> ( [ 119 ] ) - هذا البيت من كلام زهير بن أبي سلمى المزني ، من معلقته المشهورة ، وقد استشهد به العلامة رضي الدين في شرح الكافية ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( ج 3 ص 345 بولاق ) . اللغة : « وما الحرب إلا ما علمتم » يريد ليست الحرب إلا ما جربتموه وعرفتم عواقبه ونتائجه من التدمير والفناء ، يحذر القوم من أن يعودوا إليها « وما هو » الضمير يعود إلى العلم الذي يشير إليه قوله « علمتم » وقوله « بالحديث » أراد الخبر ، يريد ليس العلم عن الحرب بخبر تسمعونه قد يكون صحيحا وقد لا يكون صحيحا ، يؤكد أن أمرها معلوم لهم لا ينبغي أن يتجاهلوه « المرجم » الأصل في هذه الكلمة الرجم ، وهو القذف بالحجارة ، ثم قالوا : رجم فلان فلانا ، إذا أرادوا أنه شتمه وسبه ، ثم قالوا : رجم بالظن ، يريدون رمى به ، ثم كثر هذا الاستعمال حتى قالوا : رجم ، ورجّم - بالتخفيف والتشديد - وهم يريدون ظن ، وقالوا : لقد قال فلان الكلام رجما ، وهم يريدون قاله ظنا ، فقول زهير « المرجم » يريد به المظنون الذي ليس في موضع اليقين . الإعراب : « ما » نافية « الحرب » مبتدأ « إلا » أداة استثناء ملغاة « ما » اسم موصول خبر المبتدأ ، مبني على السكون في محل رفع « علمتم » علم : فعل ماض ، وتاء المخاطب فاعل مبني على الضم في محل رفع ، والميم علامة على الجمع ، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول ، والعائد ضمير منصوب بعلم محذوف ، والتقدير : إلا التي علمتموها « وذقتم » الواو عاطفة ، ذاق : فعل ماض ، وتاء المخاطب فاعله ، والميم علامة الجمع ، والجملة معطوفة على جملة الصلة ، فلا محل لها من الإعراب « وما » الواو عاطفة ، ما : نافية حجازية تعمل عمل ليس « هو » اسم ما ، وهو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع « عنها » جار ومجرور متعلق بهو ، وسيأتي إيضاح ذلك في بيان الاستشهاد به « بالحديث » الباء حرف جر زائد ، الحديث : خبر ما الحجازية منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد « المرجم » نعت للحديث باعتبار لفظه ، مجرور بالكسرة الظاهرة . الشاهد فيه : قوله « هو عنها » فإن الكوفيين ذهبوا إلى أن « هو » في هذا البيت ليس راجعا إلى الحرب ؛ لأن الحرب مؤنثة ، وهذا الضمير مذكر ، وأيضا فإن رجوع هذا الضمير إلى الحرب يفسد المعنى ؛ إذ لا معنى لقولك : وما الحرب عن الحرب بالحديث المرجم ، وإنما هو كناية عن القول أو الحديث أو العلم ، ويرشح لذلك إخباره عنه بقوله « الحديث المرجم » أي المظنون ، فكأنه قال : وليس الحديث عن الحرب بالحديث المظنون ، بل هو الحديث الصادق المتيقن الموثوق به ، فلما كان الضمير كناية عن القول أو الحديث تعلق به الجار والمجرور ، كما يتعلق بالحروف التي للمعاني ؛ إذ الظرف والجار والمجرور يكتفيان برائحة الفعل ، هذا بيان كلامهم ، ومن تقريره على هذا الوجه تعلم ما في كلام بعض أرباب الحواشي من التهافت فافهمه ، ولا تكن أسير التقليد .